بدوي الجبل.. تجربة شاعر صاغته البداوة وواجه السلطة بالقصيدة

أغسطس 19, 2026

بدوي الجبل
بدوي الجبل
قناة السورية/ بدوي الجبل

AA

بين قصيدةٍ تُغنّيها فيروز وأخرى تهزأ بالحاكم، عاش بدوي الجبل شاعراً لا يفصل بين الكلمة والموقف، وحمل القصيدة العربية الكلاسيكية إلى زمن الانقلابات، ودخل السياسة نائباً ووزيراً، ثم خرج منها معارضاً، فدفع من حريته ثمناً لمواقفه، أحبَّ وكتب، ومدحَ وهجا، ووقف في وجه الحكام، حتى غدت قصيدته في لحظات كثيرة أشبه بنقد سياسي مكتوب بلغة الشعر.

ولد محمد سليمان الأحمد الملقب بـ”بدوي الجبل” عام 1903 في قرية ديفة بمحافظة اللاذقية، ونشأ في أسرة علم وأدب، فوالده الشيخ سليمان الأحمد من علماء الطائفة العلوية وعضو في المجمع العلمي العربي بدمشق.

وأطلق عليه الصحفي يوسف العيسى، صاحب جريدة “ألف باء” الدمشقية، لقب “بدوي الجبل”، بعدما قال له: “أنت في ديباجتك بداوة، وأنت ابن الجبل”، ليغدو اللقب اسمه الأدبي الذي لازمه طوال حياته.

حارس القصيدة العمودية، ومتنبي القرن العشرين

بدأ بدوي الجبل نظم الشعر الكلاسيكي في سن مبكرة، متمسكاً بالقصيدة العربية العمودية، ومحافظاً على الوزن والقافية واللغة الفصيحة وجزالة اللفظ، ومتأثراً بالتراث العربي، ولا سيما شعر المتنبي وأبي تمام وأبي نواس، حتى وصفه النقاد بـ”متنبي القرن العشرين”.

ووصلت قصائده إلى جمهور واسع عبر الغناء، فغنت فيروز من قصيدته “خالقة” بألحان عاصي الرحباني، كما غنت فاتن حناوي قصيدته “يا من سقانا كؤوس الهجر مترعة”، وسعاد محمد قصيدته “جلونا الفاتحين”، وغنى سيد مكاوي مقطعاً من قصيدته التي تبدأ بـ”سقى الله عند اللاذقية شاطئاً”، وصدر ديوانه الذي يضم أعماله الكاملة عام 1979.

ومن المواقف التي عكست اعتزازه الشديد بنصه الشعري، رفضه طلباً من أم كلثوم بتعديل كلمة في إحدى قصائده لتناسب اللحن والغناء، لكنه تمسك بالنص كما كتبه، لكون القصيدة مرتبطة بتجربة وجدانية خاصة به.

وارتبط اسمه بعلاقات مع عدد من كبار الأدباء والسياسيين، فكان صديقاً لطه حسين، ورئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح، الذي رثاه بقصيدة “أين الرعيل من أهل بدر”.

وإضافة إلى ما سبق، دخل بدوي الجبل في نقاشات مع رواد حركة الشعر العربي الحديث في خمسينيات القرن الماضي، ومنهم بدر شاكر السياب ويوسف الخال وأدونيس، مدافعاً عن مكانة القصيدة العربية التقليدية.

من البرلمان إلى المعارضة.. شاعر من قلب السياسة

انتخب بدوي الجبل نائباً في المجلس النيابي عام 1937 وأعيد انتخابه مرات عدة، وتولى لاحقاً مناصب وزارية، من بينها وزارة الصحة عام 1954، ووزارة الدعاية والأنباء.

وعارض بدوي الجبل الوحدة السورية المصرية عام 1958، كما وجّه هجاءً شعرياً إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر بقصيدة “كافور”، ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، دخل مرحلة جديدة من الصدام مع الحكم، فصدر قرار بعزله مدنياً لمدة عشر سنوات.

لكن المواجهة الأبرز جاءت بعد هزيمة حزيران عام 1967، بعد كتابته لقصيدته الجديدة “من وحي الهزيمة”، معبراً عن موقفه الحاد من الاستبداد والحكم العسكري، ليتعرض بعدها لاعتداء واختطاف في دمشق قبل أن يطلق سراحه، ليبقى بعيداً عن المدائح الرسمية في عهد حافظ الأسد.

توفي بدوي الجبل عن عمر يناهز الـ 78 في عام 1981، بعد معاناة مع المرض، بينما امتدت تداعيات مواقفه إلى عائلته، حيث اعتُقل لاحقاً ابنه الإعلامي منير الأحمد، وتوفي أثناء الاحتجاز بعد تعرضه للتعذيب من قبل قوات حافظ الأسد.

بقيت شخصية بدوي الجبل متجاوزة حدود الشعر؛ فهو الشاعر الكلاسيكي الذي دخل البرلمان والحكومة، ثم تحول إلى معارض دفع ثمناً شخصياً لمواقفه، وبين قصائد الحب الوجداني والهجاء السياسي، تشكلت سيرة إنسان وشاعر اختصرت جانباً من تاريخ سوريا المضطرب في القرن العشرين.

أخبار ذات صلة

إلغاء