
AA
لم يكن صباح داريا في 26 من آب 2016 يشبه الأصباح السابقة، فالمدينة التي صمدت بوجه آلة القمع والبطش لدى النظام البائد وقدمت آلاف الشهداء، كانت بصدد استقبال مشهد جديد من الحرب عليها، فبعد سنوات من الحصار والقصف، أجلت عشرات الحافلات أهالي وثوار المدينة الثائرة بعيداً عن بيوتهم وشوارعهم المدمرة وذكرياتهم الثورية الملقاة بين الركام، لتبقى شاهدة على واحدة من أكثر محطات التهجير إيلاماً في تاريخ سوريا الحديث.
دخلت داريا منذ عام 2013 في حصار شديد استمر سنوات، حيث ذكرت الأمم المتحدة أن “نحو 8 آلاف شخص كانوا لا يزالون محاصرين في داريا، مؤكدةً أنه لا يمكن إيصال المساعدات والغذاء إليهم، مع استمرار القصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ.
حافلات التهجير.. أرقامٌ تختصر مأساة داريا
وفي 26 و27 آب، أُجلي نحو 1906 من أهالي داريا، نُقل بينهم 1411من ثوار داريا وعائلاتهم إلى مناطق الثورة في محافظة إدلب، بينما نُقل 485 آخرون إلى بلدة حرجلّة بريف دمشق، ضمن اتفاقٍ فرضه النظام البائد لتهجير أهالي المدينة قسراً، دون اكتراثٍ بالقوانين الإنسانية والدولية.
وبعد أن أُفرغت داريا من سكانها لأول مرة في تاريخها خلال ساعات، دخلت قوات النظام البائد إلى المدينة إيذانًا بطي صفحة صمود المدينة، وزارها المجرم بشار الأسد ليستعرض انتصاراته المزعومة على أطلال من الخراب والدمار الذي خلفته آلة الحرب القمعية والوحشية.
لم ينتهِ النظام البائد عند التهجير، بل أصدر مرسوما يقضي بإزالة وتنظيم عمراني للمنطقة، وإعادة تخطيط الأحياء المدمرة وفرض واقع عقاري جديد يهمش حقوق المالكين القدامى إن لم يتابعوا إجراءاتهم ضمن مهل ضيقة، ما زاد في قلق الأهالي من استحالة استرجاع ممتلكاتهم مستقبلاً.
حمل مهجرو داريا إرث مدينتهم وانضموا إلى مئات آلاف النازحين الآخرين في مخيمات مكتظة شمال البلاد على وقع القصف، في حين صدرت إدانات حقوقية وبيانات منظمات دولية اعتبرت أن ما جرى جريمة تهجير قسري وطالبت بالسماح لسكان داريا بالعودة الآمنة وتعويضهم دون جدوى.
وبعد التحرير خلال عام 2024، وعودة الأهالي للمدينة والخلاص من النظام البائد، أضحت قصة صمود داريا وتهجيرها رمزًا يروى في المحافل الثورية، شأنها شأن الكثير من المدن التي حاول النظام البائد اقتلاع أبنائها منها، قبل أن يغادروها مكرهين، لكنهم عادوا إليها منتصرين.




