
AA
الواحد والعشرين من آب عام 2013، عقارب الساعة تشير إلى الرابعة و40 دقيقة صباحاً، ارتكبت قوات النظام البائد في غوطة دمشق، أفظع المجازر في التاريخ الحديث، استشهد وأصيب خلالها آلاف المدنيين جلهم من الأطفال والنساء بعدما استهدفت الأهالي والمدنيين بصواريخ محملة بغاز السارين.
وارتُكبت المجزرة في مدن زملكا وعين ترما وعربين بالغوطة الشرقية، ومدينة المعضمية بالغوطة الغربية، وتسبب القصف بحالات الاختناق والتشنج وفقدان الوعي، وكان من بين الضحايا أطفال وعائلات بأكملها ، في مجزرة أثبتت للعالم حجم الإجرام الذي انتهجه النظام البائد ضد الشعب السوري، فيما أكدت التحقيقات الدولية لاحقًا استخدام النظام البائد للسلاح الكيميائي.
واستقبلت ثلاثة مستشفيات كانت تدعمها منظمة أطباء بلا حدود، في دمشق نحو 3600 مصاب ظهرت عليهم أعراض عصبية سامة خلال أقل من ثلاث ساعات، توفي 355 منهم، وفقاً لأطباء عالجوا المصابين في الساعات الأولى للهجوم.
ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها عن الذكرى الثانية عشرة للمجزرة استشهاد نحو 1144 شخصاً، من بينهم 99 طفلًا و194 سيدة، مشيرة إلى أن هجوم الغوطتين شكّل الجزء الأكبر من حصيلة ضحايا الهجمات الكيميائية للنظام البائد في البلاد.
لم تبقَ حقيقة استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة موضع روايات متضاربة، إذ دخل فريق الأمم المتحدة إلى المناطق المستهدفة، وجمع عينات طبية وبيئية وفحص بقايا الصواريخ، وخلص إلى وجود أدلة واضحة ومقنعة على استخدام صواريخ أرض-أرض تحمل غاز السارين في مناطق زملكا وعين ترما والمعضمية.
وبالنسبة للسوريين، لم تكن هذه النتائج سوى توثيق دولي لما عاشه الضحايا وأسرهم في ذلك الفجر؛ فالصور والشهادات التي خرجت من الغوطة كانت قد كشفت منذ الساعات الأولى حجم الجريمة وهول الفاجعة التي عصفت بهم وسط برود عالمي كان يكتفي بالبيانات والإدانات.
الغوطة لم تكن المحطة الأخيرة لإجرام الأسد وزبانيته
لم يتوقف استخدام الأسلحة الكيميائية عند الغوطة، بل تكررت الهجمات خلال السنوات التالية، ومنها هجمات في محافظة إدلب.
ففي عام 2017، وثقت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام السارين في مدينة خان شيخون جنوب إدلب، كما وثقت استخدام السارين والكلور في مدينة اللطامنة بريف حماة الشمالي، وتولى لاحقاً فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة مهمة تحديد الجهات المسؤولة عن بعض هذه الهجمات، في تطور نقل الملف من مرحلة إثبات استخدام السلاح الكيميائي إلى تحديد المسؤول عنه، في وقت تراكمت فيه التقارير والأدلة الدولية حول برنامج النظام البائد الكيميائي واستخدامه ضد المدنيين.
الحق لا يسقط بالتقادم
بعد انتصار الثورة وسقوط النظام البائد خلال عام 2024، بدا جلياً فتح ملفات الجرائم، وملاحقة عدد من المتهمين المرتبطين بمنظومة القصف والأسلحة الكيميائية لنظام الأسد.
ففي نيسان من هذا العام، أعلنت وزارة الداخلية القبض على اللواء عدنان عبود حلوة التابع لقوات النظام البائد، ووصفه وزير الداخلية أنس خطاب بأنه أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013.
وأعلنت وزارة الداخلية كذلك القبض على العقيد أحمد حبيب علي في تموز، المسؤول عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي في الوحدة 417، وأشارت التحقيقات الأولية إلى إشرافه على تصنيع نحو 20 قنبلة محملة بالسارين، زنة كل منها 250 كيلوغراماً، استخدمت في هجمات خلال عامي 2013 و2017.
كما أوقفت قوى الأمن الداخلي اللواء الطيار ميزر صوان، الذي وصفته الداخلية بأنه من المتورطين في إصدار أوامر قصف مناطق الغوطتين، ونشرت لاحقاً مقاطع من التحقيق معه ومع الطيارين السابقين عبد الكريم عليا ورامي سليمان حول آلية إصدار وتنفيذ أوامر القصف.
وبعد ثلاثة عشر عاماً وانتصار الثورة، لم يعد ضباط النظام البائد المسؤولين عن مجزرة الغوطة بمنآى عن المحاسبة، فالأدلة التي وثقتها اللجان والهيئات السورية المحلية والأمم المتحدة والمنظمات الدولية بقيت محفوظة، وملفات المسؤولية لم تُغلق، وبدأت العدالة تأخذ مجراها في ملاحقة متهمين بجرائم ارتُكبت خلال عهد النظام البائد، وعلى رأسهم المجرم الفار بشار الأسد.




