سكة حديد الحجاز.. تاريخ أكبر مشروع استراتيجي يصل دمشق بالأماكن المقدسة

أغسطس 24, 2026

قناة السورية \سكة حديد الحجاز.. تاريخ أكبر مشروع استراتيجي يصل دمشق بالأماكن المقدسة

AA

في مشهد تجاوز عمره قرناً من الزمن، وصل أول قطار من دمشق إلى المدينة المنورة مروراً بالأردن وفلسطين في 23 آب 1908، ليكون أول مشروع استراتيجي يمول بتبرعات إسلامية وعثمانية أسهم في نهضة تجارية واقتصادية وعمرانية في المنطقة الممتدة من إستانبول إلى الأماكن المقدسة في السعودية.

بدأت فكرة المشروع رسمياً عام 1900 في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، واستكمل بعد ثماني سنوات ضمن رؤية “الجامعة الإسلامية” لتقوية الروابط بين الولايات العثمانية وتسهيل رحلات الحج والمسافرين والقوات العسكرية، وبدأ العمل الفعلي في شهر أيار، وتم تدشينه مطلع شهر أيلول في قسم دمشق- درعا ضمن احتفال رسمي.

وتم تمويل المشروع بميزانية بلغت حوالي 3.5 إلى 4 ملايين ليرة عثمانية، إضافةً إلى تبرعات محلية وعالمية، شملت دعم السلطان عبد الحميد الثاني شخصيًا، وخديوي مصر، وأمراء ومؤسسات وأفراد من أنحاء العالم الإسلامي، كما تم فرض ضرائب معينة، إذ جمعت عائدات من مبيعات جلود الأضاحي لتغطية التكاليف، ما جعل المشروع خالياً من الديون الأجنبية في أساس تمويله.

وسلكت السكة العمود الفقري لمسار الحج التاريخي من دمشق إلى المدينة المنورة ومرت بمراحل أساسية وهي (تسوية الأرض وإعداد المسار والتراب، وإنشاء الجسور والأنفاق، ووضع قضبان السكة الحديدية)، ونفذت أجزاء من المشروع في المدينة المنورة بواسطة مهندسين وعمال مسلمين فقط احتراماً لقدسية المكان.

وكانت محطة الحجاز دمشق نقطة الانطلاق الرئيسية، وصممت بعناية تعكس مكانة دمشق التاريخية، ومن أبرز المحطات الأخرى كانت (المزيريب ودرعا)، و(المفرق وخربة السمرا والزرقاء وعمان بالأردن)، و(معان وتبوك)، و(حيفا الشرقية وبلد الشيخ بيسان وجسر المجامع والمسعودية وطولكرم وجنين في جنوب فلسطين)، و(مدائن صالح بين تبوك والمدينة المنورة)، و(المدينة المنورة المحطة الأخيرة بالقرب من المسجد النبوي).

وساهم خط سكة الحديد في تقليص مدة السفر من دمشق إلى المدينة المنورة من حوالي 40 يوماً إلى 5 أيام كما سهل نقل الجنود والبضائع، وسُمي مشروع خط سكة حديد الحجاز نسبة إلى اسم المنطقة الواقعة غرب شبه الجزيرة العربية، حيث تقع المدينتان المقدستان مكة والمدينة، بينما سمته مراجع تاريخية “طريق الحرير الحديدي” بسبب تأثيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحيوي على المنطقة.

سكة حديد الحجاز
سكة حديد الحجاز

واختلفت المصادر التاريخية في تقدير طول السكة ما بين 1465 كيلومتراً و1322 كيلومتراً، وشمل 40 محطة تفصل بينها مسافة 20 كيلومتراً، وتُقدر المدن والمراكز السكنية الواقعة على مسار خط الحجاز بنحو 50 مدينة ومركزاً، كما تضمن الخط 2666 جسراً حجرياً وجسوراً للمشاة و250 رصيفاً و7 جسور حديدية و9 أنفاق، وكانت حركة القطار ومواقفه منظمة حسب أوقات الصلوات الخمس، وتحولت إحدى قاطراته إلى مسجد متنقل وعُين له إمام للصلاة .

إحصائيات وأرقام مهمة
استقل القطار نحو 20 ألف حاج عام 1909، وارتفع العدد إلى 300 ألف عام 1914، كما نقل القطار أكثر من مليون و311 ألف مسافر بين 1909 و1913، وارتفع عدد سكان المدينة المنورة من 20 ألف إلى 80 ألف بين افتتاح الخط وبداية الحرب العالمية الأولى، حيث حقق المشروع أرباحاً مالية كبيرة وصلت إلى 82 ألف جنيه إسترليني عام 1913.

واستخدم القطار من المدينة المنورة إلى دمشق لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى أواخر سنة 1919، وكان الأمير علي بن الحسين قد استقله حينها أثناء زيارته لأخيه فيصل في دمشق، وفي عام 1921 أصدرت الحكومة العثمانية قانوناً بإلحاق الخط بنظارة الأوقاف في أنقرة باعتباره وقفاً إسلامياً وقسمت ريعه بين عمارة الحرمين الشريفين وخدمات تيسير الحج.

من جهة أخرى، اتخذت بريطانيا وفرنسا مواقف عدائية تجاه المشروع لأنه يتعارض مع مصالحهما في المنطقة، ولجأ الإنكليز لفرض القيود على إنشائه ووضع العقبات أمام عملية التبرع في مستعمراتها ثم وضع خطط لمشاريع مناوئة حتى لا يتم تشغيله لأهميته ومكانته العسكرية، حتى أن تم تقسيم الخط في مؤتمر لوزان 1924 بين الدول التي يمر بأراضيها (قوات الانتداب الفرنسية في سوريا والبريطانية في الأردن وملك نجد والحجاز) وأيدت عصبة الأمم في العام التالي هذا القرار.

وجرت محاولات لإعادة تشغيل الخط في 1935 و1955 و1978، لكنها لم تكلل بالنجاح بسبب الأوضاع السياسية والحروب في المنطقة، ولم يتبق من الخط سوى بعض المنشآت القديمة وأطلال المحطات وقاطرات متوقفة.

مثَّل خط سكة حديد الحجاز إرثاً تاريخياً مهماً رغم التحديات السياسية والعسكرية التي واجهته وكان المشروع شاهداً على التطور التقني والاجتماعي في تلك الحقبة، وأسهم في تغيير وجه المنطقة اقتصادياً واجتماعياً قبل أفول الدولة العثمانية وبعدها إلى جانب تأثير وتبدل السياسات والصراعات في المنطقة.

أخبار ذات صلة

إلغاء