
AA
دخلت سوريا مرحلة سياسية وعسكرية مضطربة في عام 1949، بعد خروجها من تداعيات الاستقلال، الأمر الذي جعل من الجيش لاعباً رئيسياً في تحديد مسار الحكم، وبغضون أشهر قليلة، شهدت البلاد ثلاثة انقلابات، من بينها انقلابٌ قاده العقيد سامي الحناوي، أطاح بالرئيس حسني الزعيم في 14 آب، مُنهياً بذلك أول تجربة حكم عسكري شهدتها البلاد بعد الاستقلال.
لم يكن الحناوي شخصية عادية في المؤسسة العسكرية، حيث شارك إلى جانب حسني الزعيم في الانقلاب العسكري الأول في سوريا والعالم العربي في 30 آذار 1949، الذي أطاح بالرئيس شكري القوتلي، وأوصل الزعيم إلى السلطة، لكن التحالف بين الرجلين لم يدم طويلاً، وسرعان ما انتقل الحناوي من موقع الشريك إلى موقع المعارض للزعيم.
الحناوي يطيح بالزعيم.. كيف قُضي الأمر ؟
فتح انقلاب آذار الباب أمام مرحلة جديدة في الحياة السياسية، إلا أن حكم الزعيم اتجه سريعاً نحو تركيز السلطة بيده، وسط خلافات مع عدد من الضباط والقوى السياسية، وبأقل من 137 يوماً، تمكن الحناوي والانقلابيون الموالون له في فجر 14 آب 1949، من إسقاط نظام الزعيم واعتقاله مع رئيس وزرائه محسن البرازي، وانتهى الأمر في اليوم ذاته بإعدام الرجلين رمياً بالرصاص.
وكان الحناوي تجربة مغايرة رغم قيادته الانقلاب، إذ لم يتجه إلى الاحتفاظ بالسلطة لنفسه بالطريقة التي فعلها سلفه، بل انتقلت السلطة إلى حكومة مدنية برئاسة هاشم الأتاسي، فيما بقي الحناوي في موقع رئيس أركان الجيش، وبذلك حاول الانقلابيون تقديم تحركهم باعتباره وسيلة لإعادة الحياة الدستورية والسياسية.
وبرز اسم الحناوي خلال حرب فلسطين عام 1948، كما حدث تقارب بين سوريا والعراق خلال أشهر الانقلاب الثاني، ووصل إلى إقامة اتحاد بين البلدين، بحكم ملكي هاشمي، مدعوماً من بريطانيا وحزب الشعب، لكن المشروع أثار انقساماً سياسياً وعسكرياً داخل سوريا.
ثلاثة انقلابات عسكرية في أقل من 9 اشهر
لم يخرج الحناوي من انقلاب آب بوصفه المنتصر الوحيد، إذ كان من بين الضباط الذين شاركوا معه، ومن بينهم أديب الشيشكلي الذي بات خصماً له، ومع بقاء الجيش في قلب المعادلة السياسية أصبح الحناوي نفسه مركزاً لنفوذ عسكري وسياسي، في وقت كانت فيه القوى السياسية تتنافس على شكل الدولة واتجاهها.
وفي 19 من كانون الأول 1949، قاد الشيشكلي تحركاً عسكرياً أطاح بالحناوي، متهماً إياه بالتآمر على الجيش وكيان البلاد والنظام الجمهوري، وأُبعد الحناوي عن قيادة الجيش واعتُقل، لتنتهي مرحلة الرجل الذي أطاح بالزعيم، ثم نفي إلى لبنان، قبل أن يُغتال في بيروت عام 1951 على يد حرشو البرازي، أحد أقارب رئيس الوزراء السابق محسن البرازي الذي أُعدم خلال انقلاب آب.
وهكذا تحولت سنة 1949 إلى عام مفصلي في تاريخ سوريا الحديث، حمل ثلاثة انقلابات خلال عام واحد، ولم تكن هذه التحولات مجرد تغييرات في أسماء الحكام، بل عكست دخول المؤسسة العسكرية بقوة إلى الحياة السياسية في البلاد.
وتكشف تجربة الحناوي خلال مرحلة الانقلابات الأولى في سوريا كيف انتقل الجيش خلال فترة قصيرة، من مؤسسة عسكرية إلى لاعب مباشر في تحديد شكل السلطة، وكيف تحولت التحالفات بين الضباط من وسيلة للوصول إلى الحكم إلى سبب في إسقاط بعضهم بعضاً.




