
AA
في مثل هذا اليوم، الخامس من أيلول/ عام 1950، شهدت العاصمة السورية دمشق حدثاً تاريخياً مفصلياً، حيث أقرّت الجمعية التأسيسية الدستور الجديد للبلاد، والذي عُرف لاحقاً بـ “دستور الاستقلال”.
وفي الجلسة ذاتها، توّج نواب الشعب مسار العودة إلى الحياة المدنية بإعادة انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، بموجب أحكام الدستور الجديد، لتبدأ سوريا حقبة ديمقراطية تميزت بالتعددية والحرية قبل أن تعصف بها الانقلابات العسكرية.
من ظلام الانقلابات إلى نور الشرعية
جاء دستور عام 1950 بعد فترة عصيبة عاشتها سوريا عام 1949، والتي شهدت ثلاثة انقلابات عسكرية متتالية (حسني الزعيم، سامي الحناوي، وأديب الشيشكلي الأول)، وإثر الإطاحة بنظام الزعيم، تداعى السياسيون السوريون لإنقاذ البلاد، وتم اختيار هاشم الأتاسي رئيساً للحكومة المؤقتة ثم رئيساً للدولة في ديسمبر 1949.
أشرف الأتاسي بحنكته السياسية على إجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة، أفضت إلى ولادة الجمعية التأسيسية التي أخذت على عاتقها مهمتين أساسيتين: صياغة دستور حديث يليق بسوريا المستقلة، وإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الجيش إلى ثكناته.
عبقرية الصياغة وأبرز ملامح “دستور الاستقلال”
شُكّلت لجنة صياغة الدستور برئاسة السياسي البارز ناظم القدسي وعضوية 33 نائباً من كبار رجال القانون والفكر. درست اللجنة أكثر من 15 دستوراً عربياً وعالمياً لتقديم وثيقة عصرية، وتميز الدستور بملامح جعلته الأرقى في تاريخ الشرق الأوسط آنذاك، فقد حدّ الدستور من صلاحيات رئيس الجمهورية وجعلها منصبًا شبه شرفي، بينما ركّز السلطة الفعلية بيد رئيس مجلس الوزراء والبرلمان، وذلك كضمانة دستورية تمنع تفرّد أي شخص بالسلطة مستقبلاً.
و في خطوة تقدمية سبقت بها سوريا العديد من الدول الأوروبية، كفل الدستور حق المرأة في الانتخاب والترشيح، مما شكّل قفزة نوعية في تمكين المرأة السورية.
كما نصّ الدستور على إلغاء الانتخابات على درجتين واعتماد الانتخاب المباشر، وأسس لمجلس قضاء أعلى مستقل تماماً عن السلطة التنفيذية، وضمن حريات الصحافة والتعبير والتجمع، وشهدت أروقة الجمعية نقاشات حادة حول “دين الدولة”، وانتهت بصيغة توافقية عبقرية نصت على أن “دين رئيس الجمهورية الإسلام” و”الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”، مع كفالة حرية الاعتقاد الكاملة لجميع المواطنين واحترام الأديان كافة.
بدأ العمل بالدستور فور إقراره لكنه عطٍل في عهد الإنقلاب الثاني لأديب الشيشكلي 1951_1954 وفي الوحدة مع مصر 1958_1961، وأعيد العمل به عام 1962 مع بعض التعديلات ثم جاء انقلاب البعث عام 1963 لينهي العمل به نهائياً
هاشم الأتاسي.. “أبو الدستور” وحامي الشرعية
لم يكن إعادة انتخاب هاشم الأتاسي (الملقب بأبي الدستور) رئيساً للجمهورية في ذلك اليوم مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان صمام أمان للدولة الناشئة، حيث حظي الأتاسي باحترام وإجماع من كافة التيارات السياسية (من حزب الشعب والكتلة الوطنية إلى المستقلين والإسلاميين) نظراً لتاريخه النضالي الطويل ونزاهته المطلقة.
تحولت الجمعية التأسيسية فور إقرار الدستور إلى “مجلس النواب الأول” في عهد الاستقلال، وأقسم الأتاسي اليمين الدستورية واضعاً نصب عينيه ترسيخ مدنية الدولة.
يبقى يوم 5 أيلول/سبتمبر 1950 شرياناً نابضاً في الذاكرة السياسية السورية، فقد أثبت فيه السوريون قدرتهم على بناء دولة مؤسسات حضارية ومَعلماً ومَرجِعاً لكل تطلّع ديمقراطي في تاريخ سوريا الحديث.




