فراعنة العصر: سوريا تنصر الحق

يونيو 3, 2026

صورة لسجن

AA

 

لسنوات، بدا أن من هم بوصفهم بـ”فراعنة العصر” فوق القانون. ضباط بأسماء معروفة في المدن والبلدات، ارتبطت بهم حكايات الاعتقال ليلًا، والمقابر الجماعية، والأحياء التي مُسحت من الخريطة. كانوا يتجولون بلا أقنعة، لأن الخوف كان قناع الضحية.

لكن اليوم، المشهد ينقلب ببطء. وزارة الداخلية السورية تعلن، بيانًا تلو الآخر، عن توقيف ضباط ومسؤولين أمنيين من منظومة النظام السابق. لا ضجيج إعلامي، ولا استعراض. مداهمات فجر، مذكرات قضائية، ثم سطر مقتضب: “تم إلقاء القبض على المطلوب، وأحيل إلى القضاء المختص”.
عمل استخباراتي وتحري عميق:
ضمن جهود وزارة الداخلية وبالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة تكاتفت الجهود وتنظم العمل، تحري دقيق وبحث دؤوب ، في ليل ونهار للوصول إلى كل مجرم، يجري العمل بكل سرية وهدوء كذئب يترصد فريسته ليوقعها.

من التوثيق إلى الزنزانة

ما يجري ليس وليد اللحظة. خلف كل عملية توقيف هنصورة لسجناك آلاف الصفحات من التوثيق. أرشيف فروع أمنية كاملة سُلّم للحكومة الانتقالية. شهادات ناجين سُجلت بالصوت والصورة قبل أن يغيب بعض أصحابها بالموت أو المنفى. صور أقمار صناعية لمقابر جماعية. وتقارير أممية كُتبت بحبر بارد، لكنها تحولت اليوم إلى لوائح اتهام.

وزارة الداخلية تقول إنها تعمل تحت سقف القضاء. هذه الجملة بحد ذاتها تحوّل في العقلية. لعقد كامل، كان جهاز الأمن هو القضاء وهو الجلاد. اليوم، على الورق على الأقل، أصبحت المذكرة القضائية تسبق المداهمة. الفارق بين “الاعتقال” و”التوقيف القانوني” هو الفارق بين دولتين.

هنا مفرق الطرق الأخطر،السوريون الذين ذاقوا ذرعًا من التعذيب والتهجير
يريدون قصاصًا،
القانون يريد عدالة، والفرق بينهما هو ما سيحدد إن كانت سوريا تبني دولة أم تستبدل جلادًا بجلاد.

لماذا الآن؟

السؤال يتردد في مجالس السوريين: لماذا تأخر الحساب؟ ولماذا بدأ الآن؟

الإجابة ثلاثية.
أولًا: اكتملت الأدوات. لم تعد الملاحقة تعتمد على “وشاية” بل على بنوك معلومات وخبرات تحقيق جنائي دُربت خلال العامين الماضيين بدعم قانوني دولي.
ثانيًا: توازن الردع. كثير من الضباط المطلوبين فقدوا شبكات الحماية بعد تفكك مراكز القوى القديمة.
ثالثًا: الشرعية. أي حكومة جديدة في سوريا تحتاج أن تثبت للسوريين قبل العالم أنها قطعت مع إرث الإفلات من العقاب.

لكن “الآن” لا يعني “فورًا”. الوزارة لم تنشر أسماء. المحاكمات لم تبدأ علنًا بعد. والعائلات التي تنتظر منذ 2011 خبرًا عن ابن مفقود، تعرف أن بين التوقيف والحقيقة طريق طويل اسمه “كشف المصير”.

العدالة أم الانتقام؟

هنا مفرق الطرق الأخطر. السوريون الذين ذاقوا ذرعًا من التعذيب والتهجير يريدون قصاصًا. القانون يريد عدالة. والفرق بينهما هو ما سيحدد إن كانت سوريا تبني دولة أم تستبدل جلادًا بجلاد.

لهذا تصر البيانات الرسمية على ثلاث كلمات: “قضاء، علنية، حقوق الدفاع”. لا أحد يريد محاكم صورية تذكر الناس بمحاكم الميدان التي أعدمت المئات خلال دقائق. المنظمات الحقوقية، حتى تلك التي وثقت جرائم النظام السابق، تقول اليوم: وفروا للمتهمين محامين. افتحوا الجلسات. انشروا الأدلة. لأن العدالة الانتقالية تفشل لحظة تتحول إلى تصفية حسابات.

التحدي الحقيقي: ما بعد الضباط

لنكن واقعيين. توقيف 50 أو حتى 500 ضابط لن يمسح ندبة الحرب. هناك منظومة كاملة: ممولون، تجار حرب، قضاة وقّعوا أحكامًا جاهزة، إعلاميون برروا القتل، ومخبرون كتبوا التقارير بخط اليد. هل ستصل الملاحقة إليهم؟ وهل يملك القضاء السوري القدرة التقنية على إدارة ملفات بهذا الحجم؟

ثم هناك الجغرافيا. جزء كبير من المطلوبين خارج سوريا. لبنان، العراق، الإمارات، روسيا، دول أوروبية. تسليمهم يحتاج معاهدات، وإرادة سياسية، وملفات قانونية لا تشوبها ثغرة. والإنتربول لا يتحرك بالعاطفة، بل بالأدلة الدامغة.

التعافي يبدأ عندما تعرف أم من درعا أين دُفن ابنها، عندما يستطيع معتقل سابق من صيدنايا أن يدخل قاعة محكمة كشاهد، لا كمتهم. عندما تُفتح الأرشيفات، ويُقال للناس: هذا ما حدث لكم، وهؤلاء من فعلوه، وهذا هو العقاب.

الفراعنة يسقطون، لكن المعبد لم يُهدم بعد

في علم النفس الجمعي، سقوط “الفرعون” أهم من سجنه. لأنه يكسر أسطورة “الذي لا يُمس”. الطفل الذي رأى والده يُسحب من البيت عام 2012، يرى اليوم من سحبه يُسحب. هذه اللحظة اسمها “استعادة التوازن الرمزي”. وهي شرط للتعافي الوطني، لكنها ليست التعافي نفسه.

التعافي يبدأ عندما تعرف أم من درعا أين دُفن ابنها. عندما يستطيع معتقل سابق من صيدنايا أن يدخل قاعة محكمة كشاهد، لا كمتهم. عندما تُفتح الأرشيفات، ويُقال للناس: هذا ما حدث لكم، وهؤلاء من فعلوه، وهذا هو العقاب.

وزارة الداخلية خطت الخطوة الأولى: الملاحقة. الخطوة الأصعب هي ما بعدها: المحاكمة العادلة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر. بدون الثلاثة، يبقى “سقوط الفراعنة” حدثًا أمنيًا، لا لحظة تأسيسية.

سوريا اليوم تقف أمام امتحانها الأخلاقي الأكبر منذ بداية مأساتها، العالم يراقب، لكن الأهم أن السوريين يراقبون، لقد تعبوا من الموت، وتعبوا من الانتظار، يريدون أن يروا أن من أسرف في القتل وتسبب بالدمار والتهجير لا ينام الليلة في فراشه، بل يواجه القضاء.

سوريا قادرة على النجاح في مهمتها الأمنية وتحقيق العدالة وانصاف الظل م على الظالم
“لن يموت حق وراءه مطالب”

أخبار ذات صلة

إلغاء