
AA
تنطلق اليوم الأحد أولى جلسات مجلس الشعب السوري الجديد، في أول استحقاق تشريعي للمؤسسة البرلمانية منذ سقوط النظام البائد، لتدشن مرحلة جديدة من العمل النيابي خلال الفترة الانتقالية التي حدد الإعلان الدستوري لعام 2025 ملامحها وأطرها العامة.
وتحظى الجلسة الأولى بأهمية خاصة، باعتبارها المحطة التي تنتقل فيها المؤسسة التشريعية من مرحلة التشكيل إلى مرحلة ممارسة صلاحياتها الدستورية، عبر أداء الأعضاء القسم القانوني وانتخاب هيئة الرئاسة، بما يضع المجلس على طريق بدء عمله الرسمي خلال مرحلة تشهد إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية.
وتتجه الأنظار إلى الإجراءات التي سترافق انطلاق أعمال المجلس، وفي مقدمتها آلية انتخاب رئيسه ونائبه وأميني السر، إضافة إلى طبيعة تركيبته الجديدة والملفات التي تنتظر أعضاءه خلال المرحلة الانتقالية، في وقت يُنظر فيه إلى البرلمان الجديد باعتباره إحدى الركائز الأساسية في إعادة بناء الدولة بعد أكثر من خمسة عقود من حكم نظام الأسدين.
كيف تشكل مجلس الشعب الجديد؟
يُعد مجلس الشعب الحالي أول برلمان سوري يتشكل بعد سقوط النظام البائد، وقد جاء تأسيسه استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري والنظام الانتخابي المؤقت الذي صدقه الرئيس أحمد الشرع بموجب المرسوم رقم (143) لعام 2025، باعتباره الإطار القانوني المنظم لعمل السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.
وينص النظام الانتخابي على أن يتألف المجلس من 210 أعضاء، يتم اختيار ثلثيهم عبر هيئات ناخبة شُكلت في المحافظات السورية، فيما يعيّن رئيس الجمهورية الثلث المتبقي، وهو ما بات يعرف بـ”الثلث الرئاسي”.
وتوضح اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أن هذه الصيغة تهدف إلى تحقيق توازن بين التمثيل الشعبي والاستفادة من شخصيات تمتلك خبرات متخصصة قد يصعب وصولها عبر العملية الانتخابية وحدها، بما يرفد المجلس بكفاءات قانونية وإدارية واقتصادية وأكاديمية.
وكان رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد قد دعا رسمياً إلى عقد الجلسة الأولى للمجلس عقب صدور مرسوم تسمية الأعضاء، بالتزامن مع إعلان قائمة “الثلث المكمل” التي ضمت سبعين شخصية عيّنها رئيس الجمهورية لاستكمال تشكيل المجلس.
ورغم أن الإعلان الدستوري حدد عدد أعضاء المجلس بـ210 أعضاء، فإن المجلس يبدأ أعماله فعلياً بـ207 أعضاء، بعد تعذر استكمال العملية الانتخابية في محافظة السويداء، وبقاء ثلاثة مقاعد شاغرة إلى حين استكمال الإجراءات القانونية المعتمدة.
“الثلث الرئاسي”.. توسيع دائرة التمثيل
أثار إعلان “الثلث الرئاسي” نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية السورية، لا سيما أنه جاء بعد مطالبات بتوسيع قاعدة المشاركة داخل المجلس وضمان حضور أكبر لمختلف الفئات والمكونات.
وأكدت اللجنة العليا للانتخابات أن معايير اختيار الأعضاء استندت إلى الكفاءة والخبرة والتنوع، بعيداً عن المحاصصة المناطقية أو الحزبية، مع استبعاد كل من ارتبط بالنظام البائد أو بالتنظيمات الإرهابية أو دعا إلى تقسيم البلاد.
كما هدفت آلية التعيين إلى معالجة أوجه النقص التي ظهرت خلال المرحلة الانتخابية الأولى، من خلال تعزيز تمثيل المرأة، والمكون الكردي، والمهجرين، وذوي الشهداء، والمعتقلين السابقين، إلى جانب إدخال شخصيات أكاديمية وقانونية واقتصادية يُنتظر أن تسهم في صياغة التشريعات المطلوبة خلال المرحلة الانتقالية.
وتعكس هذه الصيغة طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا، إذ لا يُنظر إلى المجلس باعتباره برلماناً دائماً، وإنما مؤسسة انتقالية أوكلت إليها مهمة مرافقة الدولة في إعادة بناء مؤسساتها، وتهيئة البيئة التشريعية والسياسية التي تمهد للوصول إلى دستور دائم وانتخابات عامة مع انتهاء المرحلة الانتقالية.
ماذا سيحدث في الجلسة الأولى؟
لا تمثل الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري الجديد مجرد اجتماع افتتاحي، بل تشكل محطة مفصلية ينتقل خلالها المجلس من مرحلة التشكيل إلى مرحلة ممارسة صلاحياته الدستورية، ولذلك وصفها النظام الانتخابي المؤقت بأنها “جلسة القسم”، باعتبارها الجلسة التي يكتسب فيها الأعضاء صفتهم القانونية الكاملة ويبدأ معها البرلمان أعماله بصورة رسمية.
وحدد المرسوم رقم (143) لعام 2025 آلية إدارة هذه الجلسة، إذ تبدأ بدعوة رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب جميع الأعضاء إلى الاجتماع خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من صدور مرسوم تسميتهم.
وعند افتتاح الجلسة، يتولى أكبر أعضاء المجلس سناً رئاستها بصورة مؤقتة، فيما يتولى أصغر الأعضاء سناً مهمة أمين السر، وذلك إلى حين انتخاب هيئة الرئاسة الدائمة، وفق إجراء برلماني متبع في عدد من التجارب التشريعية حول العالم.
ويستهل رئيس الجلسة المؤقتة أعمال المجلس بدعوة الأعضاء إلى أداء القسم الدستوري، الذي يتعهدون خلاله بالإخلاص للوطن، والحفاظ على استقلال البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، واحترام الدستور والقانون، وأداء مهامهم بأمانة وإخلاص.
ويمثل أداء القسم الخطوة القانونية التي تمنح أعضاء المجلس كامل صلاحياتهم النيابية، إذ يكتسب العضو بعد تأدية اليمين صفته البرلمانية وحصانته القانونية، لتنتقل إدارة المؤسسة التشريعية من اللجنة العليا للانتخابات إلى النواب المنتخبين والمعينين.
وبانتهاء مراسم القسم، تكون اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب قد أنهت مهمتها رسمياً، إذ يغادر رئيسها مقر المجلس ما لم يكن أحد أعضائه، لتبدأ المؤسسة التشريعية إدارة أعمالها بصورة مستقلة وفق الصلاحيات التي منحها الإعلان الدستوري.
انتخاب هيئة الرئاسة.. أول اختبار أمام النواب
عقب أداء القسم الدستوري، ينتقل مجلس الشعب إلى أول استحقاق سياسي وتنظيمي يتمثل في انتخاب هيئة رئاسته، وهي الهيئة التي ستتولى قيادة العمل البرلماني خلال المرحلة المقبلة.
وينص النظام الانتخابي المؤقت على إجراء اقتراع سري لاختيار رئيس مجلس الشعب ونائبه وأميني السر، خلال الجلسة الأولى التي يعقدها المجلس.
وبعد إعلان النتائج، يدعو رئيس الجلسة المؤقت الرئيس المنتخب إلى اعتلاء منصة الرئاسة، فيما يتولى نائبه وأمينا السر مواقعهما، إيذاناً ببدء دورة العمل البرلماني بصورة رسمية.
ولا تقتصر أهمية هذا الاستحقاق على اختيار شخصية تدير جلسات المجلس، بل تمتد إلى رسم الإطار التنظيمي لعمل المؤسسة التشريعية، إذ يتولى رئيس مجلس الشعب إدارة المناقشات، والإشراف على جدول الأعمال، وتمثيل المجلس في علاقاته مع بقية السلطات، إضافة إلى الإشراف على تشكيل اللجان البرلمانية ومتابعة أعمالها.
ماذا بعد انتخاب رئيس المجلس؟
لا تنتهي إجراءات الجلسة الأولى عند انتخاب هيئة الرئاسة، إذ تبدأ بعدها مرحلة جديدة من عمل المجلس وفق الخطوات التي حددها النظام الانتخابي المؤقت.
ومن بين هذه الخطوات، توجيه رئيس مجلس الشعب المنتخب دعوة رسمية إلى رئيس الجمهورية أحمد الشرع لحضور الجلسة الثانية للمجلس، حيث يلقي كلمة أمام النواب يستعرض فيها ملامح المرحلة المقبلة والسياسات العامة للدولة، في أول خطاب رئاسي داخل البرلمان الجديد.
كما حدد النظام آلية التعامل مع الأعضاء الذين يتعذر عليهم حضور جلسة القسم، إذ يمنح رئيس المجلس موعداً جديداً لأداء اليمين إذا كان الغياب ناتجاً عن أسباب قاهرة، بما يتيح للعضو مباشرة مهامه لاحقاً.
أما في حال امتنع العضو عن أداء القسم أو رفضه بعد توجيه الدعوة إليه، فتسقط عضويته حكماً، ويتم تعيين بديل عنه وفق الإجراءات المنصوص عليها في المرسوم رقم (143).
من هم أعضاء المجلس الجديد؟
إذا كان مجلس الشعب خلال عهد النظام البائد قد ارتبط، على مدى عقود، بشخصيات تنتمي إلى حزب البعث أو مقربة من السلطة، فإن المجلس الجديد يقدم تركيبة مختلفة من حيث الخلفيات المهنية والعلمية للأعضاء، في محاولة لإضفاء مزيد من التنوع على المؤسسة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.
ويضم المجلس الحالي أكاديميين وأطباء ومهندسين ومحامين واقتصاديين ورجال أعمال وإعلاميين، إلى جانب علماء شريعة ورؤساء مجالس محلية وشخصيات عشائرية وناشطين في المجتمع المدني ووجوه سياسية معارضة.
وتعكس هذه التركيبة توجهاً نحو إشراك شرائح متعددة في صياغة القوانين التي سترافق مرحلة إعادة بناء الدولة، من خلال الجمع بين الخبرة المهنية والحضور المجتمعي.
وتشير بيانات “الثلث الرئاسي” إلى أن قائمة التعيينات ضمت 47 شخصية صُنفت ضمن فئة الكفاءات، مقابل 23 شخصية من الأعيان والوجهاء، في محاولة للموازنة بين الخبرة التخصصية والثقل الاجتماعي.
وتوزعت الخلفيات المهنية للأعضاء بين شخصيات ذات اختصاص شرعي وديني، وأكاديميين، وعاملين في القطاع الطبي، وتربويين، ورجال أعمال، ومهندسين، واقتصاديين وإداريين، وحقوقيين، وسياسيين وناشطين، إضافة إلى تخصصات أخرى.
كما يظهر التنوع على المستوى العلمي، إذ تضم قائمة “الثلث الرئاسي” 17 عضواً يحملون شهادة الدكتوراه، و12 من حملة الماجستير، و18 يحملون درجة الإجازة الجامعية، إلى جانب خريجي المعاهد والدبلومات والثانوية العامة، في حضور أكاديمي ومهني أكثر وضوحاً مقارنة بالمجالس السابقة.
تمثيل المحافظات.. حلب تتصدر المشهد
على المستوى الجغرافي، يعكس توزيع مقاعد مجلس الشعب الجديد تفاوتاً بين المحافظات السورية، بما يتناسب بصورة عامة مع الوزن السكاني والحضور المجتمعي لكل منطقة.
وتتصدر محافظة حلب قائمة المحافظات من حيث عدد الأعضاء، إذ يمثلها 46 نائباً، بينهم 32 منتخباً و14 معيناً، لتكون صاحبة الكتلة الأكبر داخل المجلس.
وتأتي محافظة حمص في المرتبة الثانية بـ18 عضواً، فيما تمثل محافظات إدلب وحماة وريف دمشق والحسكة بـ17 عضواً لكل منها، بينما تضم دير الزور 16 عضواً، ودمشق 15 عضواً.
أما المحافظات الأخرى، فتتوزع مقاعدها بين اللاذقية بـ11 عضواً، ودرعا بـ10 أعضاء، والرقة بـ9 أعضاء، وطرطوس بـ7 أعضاء، والقنيطرة بـ5 أعضاء، في حين جاءت السويداء في المرتبة الأخيرة بعضوين فقط، وكلاهما من المعينين ضمن “الثلث الرئاسي”، بعد تعذر إجراء الانتخابات فيها وبقاء ثلاثة مقاعد شاغرة.
ورغم أن توزيع المقاعد حافظ بصورة عامة على الوزن السكاني للمحافظات الكبرى، فإن استكمال تشكيل المجلس عبر آلية التعيين ساهم في معالجة جزء من النقص الذي نتج عن تعذر إجراء الانتخابات في بعض المناطق، كما أتاح توسيع التمثيل ليشمل شخصيات من المدن والأرياف والمناطق الحدودية والجزيرة السورية والشمال الغربي، إضافة إلى شخصيات ذات حضور محلي ومجتمعي.
النساء والشباب والمكونات.. محاولة لتوسيع المشاركة
أثار تمثيل النساء والشباب والمكونات القومية والدينية نقاشاً واسعاً منذ الإعلان عن نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات، بعد أن أظهرت تلك المرحلة ضعف حضور عدد من هذه الفئات داخل المجلس.
وخلال الانتخابات الأولى، لم تفز سوى سبع نساء من أصل 137 نائباً منتخباً، ما دفع إلى الاستفادة من مقاعد “الثلث الرئاسي” لتعزيز حضور المرأة، عبر تعيين 15 امرأة إضافية، ليرتفع عدد النساء في المجلس إلى 22 امرأة من أصل 207 أعضاء يشغلون مقاعدهم حالياً، أي ما يزيد قليلاً على 10 بالمئة من إجمالي الأعضاء.
كما تعكس تركيبة المجلس دخول جيل جديد نسبياً إلى المؤسسة التشريعية، بعد عقود ارتبط فيها البرلمان السوري بشخصيات سياسية وإدارية مخضرمة.
ويعد حسين عبد الرحمن العلي، المولود عام 1999، أصغر أعضاء المجلس سناً، بينما يعد رامي شاهر الصالح، المولود عام 1954، أكبر الأعضاء.
ومن بين أبرز مؤشرات التنوع في المجلس تخصيص خمسة مقاعد لذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، في أكبر حضور لهذه الفئة ضمن تاريخ المجالس السورية الحديثة، إلى جانب 13 عضواً من المعتقلين السابقين، فضلاً عن تعزيز حضور المكون الكردي وعدد من المكونات الدينية والاجتماعية الأخرى.
ورغم استمرار النقاش حول مدى قدرة هذه التركيبة على تمثيل المجتمع السوري بكل أطيافه، فإنها تقدم نموذجاً مختلفاً عن المجالس السابقة من حيث تنوع الخلفيات المهنية والعلمية والاجتماعية، ومحاولة توسيع دائرة المشاركة داخل المؤسسة التشريعية.
ما الذي ينتظر مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية؟
لن يواجه مجلس الشعب الجديد مهمة تشريعية اعتيادية، كما كان الحال في البرلمانات السابقة، بل يجد نفسه أمام مرحلة استثنائية تتطلب إعادة بناء المنظومة القانونية والمؤسساتية للدولة السورية بعد سنوات طويلة من الحرب وسقوط النظام البائد.
ويمنح الإعلان الدستوري المجلس مجموعة من الصلاحيات التشريعية والرقابية، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات النافذة أو إلغائها، وإقرار الموازنة العامة للدولة، والمصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومنح العفو العام، إضافة إلى عقد جلسات استماع للوزراء وممارسة الرقابة على أداء الحكومة.
ولا تقتصر مهمة المجلس على إدارة العمل التشريعي اليومي، إذ ينتظر منه مراجعة عشرات القوانين التي صدرت خلال العقود الماضية، وإعادة النظر في التشريعات المرتبطة بمرحلة النظام البائد، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية ويؤسس لمنظومة قانونية تقوم على سيادة القانون والفصل بين السلطات.
كما سيكون المجلس مطالباً بوضع نظامه الداخلي، وتشكيل لجانه الدائمة، وإقرار التشريعات المتعلقة بإصلاح مؤسسات الدولة، وتنظيم الإدارة المحلية، وتحسين البيئة الاقتصادية والمالية، وتشجيع الاستثمار، إضافة إلى التصديق على الاتفاقيات التي تسهم في إعادة اندماج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، يشير عضو مجلس الشعب المنتخب عن مدينة حلب عقيل حسين إلى أن المجلس في دورته الاستثنائية سيركز على مراجعة البنية القانونية للدولة، موضحاً أن هناك قوانين تحتاج إلى الإلغاء، وأخرى إلى التعديل، إضافة إلى تشريعات جديدة يجب استحداثها.
كما أعرب عن قلقه من أن تكون مدة الثلاثين شهراً غير كافية لتنفيذ جميع الإصلاحات المطلوبة، لكنه اعتبر أن إجراء انتخابات جديدة بعد انتهاء الولاية سيكون مؤشراً مهماً على ترسيخ مسار ديمقراطي يتيح للسوريين ممارسة حقهم الانتخابي بحرية وشفافية.
دور مجلس الشعب في كتابة الدستور
يُعد إعداد دستور دائم من أبرز الاستحقاقات المنتظرة خلال المرحلة الانتقالية، باعتباره الخطوة التي ستحدد شكل الدولة السورية ونظامها السياسي في المرحلة المقبلة.
وينص الإعلان الدستوري الانتقالي على أن يضطلع مجلس الشعب بدور تأسيسي من خلال تشكيل لجنة لإعداد مشروع الدستور الدائم، على أن يُعرض لاحقاً على استفتاء عام، عندما تتوفر الظروف الأمنية والسياسية التي تضمن وصوله إلى جميع المواطنين.
وبعد إقرار الدستور، يُفترض أن تمهد المرحلة التالية لإجراء انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية حرة ومباشرة، بمشاركة شاملة من الشعب السوري.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث السياسي أحمد قربي، عضو اللجنة التي أعدت الإعلان الدستوري، أن مجلس الشعب لا يمتلك في الوقت الراهن دوراً مباشراً في كتابة الدستور، مشيراً إلى أن مهمة الإعلان الدستوري المؤقت تتركز على تنظيم عمل مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
ويشير قربي إلى أن صلاحية المجلس في ما يتعلق بالإعلان الدستوري تقتصر على المشاركة في تعديل بعض مواده، وهي صلاحية مشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ يتطلب تعديل الإعلان الدستوري أن يتقدم رئيس الجمهورية بالاقتراح، وأن يحظى بموافقة المجلس حتى يصبح نافذاً.
وبحسب قربي، فإن طبيعة النظام السياسي القائم خلال المرحلة الانتقالية تحدد حدود دور البرلمان، إذ يقوم على فصل واضح بين السلطات، بحيث تكون السلطة التشريعية بيد مجلس الشعب، بينما تتولى السلطة التنفيذية إدارة شؤون الدولة عبر رئيس الجمهورية والحكومة، دون تفويض متبادل في الصلاحيات.
تحديات وعقبات أمام المجلس الجديد
يقف مجلس الشعب السوري الجديد أمام مجموعة واسعة من التحديات السياسية والمؤسساتية التي ستختبر قدرته على أداء دوره خلال المرحلة الانتقالية، فبقدر ما يمثل تأسيسه خطوة باتجاه استعادة الحياة المؤسسية، فإن حجم الملفات المطروحة أمامه يتجاوز الدور التقليدي للبرلمانات في الظروف الاعتيادية.
ولا تقتصر التحديات على مراجعة المنظومة التشريعية وإصدار القوانين الجديدة، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة البرلمانية، بعد عقود ارتبط خلالها مجلس الشعب في عهد النظام البائد بصورة المؤسسة محدودة التأثير أمام السلطة التنفيذية.
وفي هذا السياق، يرى الباحث رشيد الحوراني أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تغيير الصورة النمطية لعضو مجلس الشعب لدى المواطن السوري، موضحاً أن إرث المرحلة السابقة جعل البرلمان يبدو للكثيرين كمؤسسة شكلية تفتقر إلى الدور الحقيقي في صناعة القرار.
ويضيف الحوراني أن استعادة ثقة الشارع بالمؤسسة التشريعية ستكون مهمة أساسية أمام أعضاء المجلس، خصوصاً أن المواطن اعتاد خلال العقود الماضية على رؤية النائب كشخصية بعيدة عن التأثير السياسي الحقيقي.
كما يواجه المجلس تحدي معالجة مسألة التمثيل الكامل لجميع المناطق السورية، في ظل غياب بعض المناطق عن المشاركة الكاملة، ومن بينها محافظة السويداء التي لم تستكمل فيها العملية الانتخابية.
ومن بين الملفات الأكثر حساسية التي ستختبر أداء المجلس، رسم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إذ يرى الباحث أحمد قربي أن نجاح المرحلة الانتقالية يرتبط بقدرة مجلس الشعب على الحفاظ على توازن مؤسساتي حقيقي، يمنع عودة هيمنة الحكومة على البرلمان كما حدث في مراحل سابقة.
ويحذر قربي من أن عودة العلاقة بين السلطتين إلى نموذج التبعية القديمة ستفقد المجلس قيمته السياسية وتحوله إلى مؤسسة شكلية، مؤكداً أن اختبار استقلالية البرلمان وقدرته على ممارسة دوره الرقابي سيكون من أبرز المؤشرات على نجاح التجربة التشريعية الجديدة.
وبذلك يدخل مجلس الشعب السوري الجديد مرحلة تحمل في آن واحد رمزية سياسية كبيرة ومسؤوليات عملية واسعة، إذ لا يقتصر دوره على سن القوانين، بل يرتبط بمسار إعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها، وتهيئة الطريق أمام مرحلة دستورية وانتخابية جديدة تنهي المرحلة الانتقالية وتؤسس لنظام سياسي أكثر استقراراً.
الأكثر قراءة
يوليو 22, 2026
انطلاق أكبر قافلة عودة طوعية من مخيمات الشمال إلى ريف إدلب الجنوبي
يوليو 22, 2026
وزير المالية يبحث مع بعثة صندوق النقد الدولي أولويات دعم التعافي الإقتصادي
يوليو 22, 2026
منتخبنا الوطني للناشئات إلى نصف نهائي غرب آسيا بالعلامة الكاملة
يوليو 22, 2026





